الغزالي
415
إحياء علوم الدين
فالآن إذا عرفت هذه المعاني فاعلم أن ما نقل من اختلاف الناس فيه ليس اختلافا في المسألة بل هو اختلاف حال فكشف الغطاء في هذا أنا لا نحكم حكما بتّا بأن الاخفاء أفضل في كل حال أو الإظهار أفضل بل يختلف ذلك باختلاف النيات ، وتختلف النيات باختلاف الأحوال والأشخاص ، فينبغي أن يكون المخلص مراقبا لنفسه ، حتى لا يتدلى بحبل الغرور ، ولا ينخدع بتلبيس الطبع ، ومكر الشيطان . والمكر والخداع أغلب في معاني الاخفاء منه في الإظهار ، مع أن له دخلا في كل واحد منهما ، فأما مدخل الخداع في الاسرار فمن ميل الطبع إليه ، لما فيه من خفض الجاه والمنزلة ، وسقوط القدر عن أعين الناس ، ونظر الخلق إليه بعين الازدراء ، وإلى المعطي بعين المنعم المحسن . فهذا هو الداء الدفين ، ويستكن في النفس ، والشيطان بواسطته يظهر معاني الخير حتى يتعلل بالمعاني الخمسة التي ذكرناها : ومعيار كل ذلك ومحكه أمر واحد ، وهو أن يكون تألمه بانكشاف أخذه الصدقة كتألمه بانكشاف صدقة أخذها بعض نظرائه وأمثاله ، فإنه إن كان يبغى صيانة الناس عن الغيبة والحسد وسوء الظن ، أو يتقي انتهاك الستر ، أو إعانة المعطى على الاسرار ، أو صيانة العلم عن الابتذال ، فكل ذلك مما يحصل بانكشاف صدقة أخيه ، فإن كان انكشاف أمره أثقل عليه من انكشاف أمر غيره ، فتقديره الحذر من هذه المعاني أغاليط وأباطيل من مكر الشيطان وخدعه ، فإن إذلال العلم محذور من حيث إنه علم لا من حيث إنه علم زيد أو علم عمرو ، والغيبة محذورة من حيث إنها تعرض لعرض مصون لا من حيث إنها تعرض لعرض زيد على الخصوص . ومن أحسن من ملاحظة مثل هذا ربما يعجز الشيطان عنه ، والا فلا يزال كثير العمل قليل الحظ وأما جانب الإظهار فميل الطبع إليه من حيث إنه تطييب لقلب المعطى واستحثاث له على مثله وإظهاره عند غيره أنه من المبالغين في الشكر حتى برغبوا في إكرامه وتفقده . وهذا داء دفين في الباطن ، والشيطان لا يقدر على المتدين إلا بان يروج عليه هذا الخبث في معرض السنة ويقول له الشكر من السنة والاخفاء من الرياء ، ويورد عليه المعاني التي ذكرناها ليحمله على الإظهار ، وقصده الباطن ما ذكرناه